مقالات رأي

حين كفّرت حركة النهضة الوزير السابق للتربية المرحوم محمد الشرفي بإمضاء عبد الفتاح مورو

كتب شكري المبخوت

“…عيّن زين العابدين بن عليّ يوم 11 أفريل 1989 محمّد الشرفيّ وزيرا للتربية والتعليم والبحث العلميّ.

كان الشرفي قد قبل هذه المهمّة بعيد انقلاب بن عليّ على بورقيبة لغاية أساسيّة في نظره هي إصلاح المدرسة التونسيّة. ولم يكن تعيينه ليسرّ الإسلاميّين بدءا من زعيمهم راشد الغنّوشي وصولا إلى منظّمتهم الطلاّبيّة. لكنّ المعركة لم تندلع بعد.

وفي 14 سبتمبر 1989 عقد الوزير، على عادة سابقيه من وزراء التربية، ندوة صحفيّة للإعلان عن جديد السنة المدرسيّة وتقديم توجّهات الوزارة وقراراتها. كانت الأمور تسير بصفة عاديّة. إذ تحدّث عن دور التعليم في التنمية وضرورة تجنّب حشو الأدمغة والتركيز على البعد التربويّ إلى أن قرّر الحديث عمّا لاحظه من إخلال في الكتب المدرسيّة المعتمدة في تدريس مادّة التربية الإسلاميّة. عندها بدأت الفضيحة.

طفق الوزير يعدّد بعض ما لاحظته اللجان المختصّة التي بدأت عملها منذ أشهر. فكتاب السنة الرابعة من التعليم الثانويّ يؤكّد للتلاميذ “حقّ الزوج في ضرب زوجته” وأنّ الطلاق نوعان بائن ورجعيّ ويكفي لوقوعه إيقاع صيغة الطلاق “أنت طالق”.

وبقطع النظر عن مطابقة هذه الأقوال للموروث الدينيّ فقد ركّز الوزير على البون القائم بين هذا المحتوى الذي يدرّس وما ورد في مجلّة الأحوال الشخصيّة والقانون التونسيّ من حقوق وواجبات للمرأة. فالقانون التونسي يعاقب الزوج الذي يعتدي على زوجته ولا يكون الطلاق إلاّ أمام المحكمة. وكان القرار هو حذف كتاب السنة الرابعة من برامج التدريس.

وعقب ذلك تحدّث الوزير عن كتابي السنتين الخامسة والسادسة. ففي كتاب السنة الخامسة نجد في الصفحة 37 ما يلي: “الديمقراطية هي النظرية التي تُرجع أصل السلطة إلى الارادة العامة للأمّة والإسلام يرى أن المعوّل عليه في الشورى ليس قوّة العدد”.

وفي صفحة 39: “إنّ أهمّ مشكلة في الحكومة الديمقراطيّة الحديثة هي تأمين الحصول على تعادل صحيح بين الديمقراطية المعترف بقيمتها وبين مبدأ الكفاءة الّذي يعادلها في الأهمية، فالقول بمساواة الجميع في الاسهام في شؤون الحكم يؤدّي إلى جهاز حكومي غير قادر”.

وهذان القولان يعنيان، حسب الوزير الذي شارك في وضع الميثاق الوطنيّ، أن الديمقراطيّة منافية للإسلام بناء على تساوي المواطنين في الانتخاب وأنّ المطلوب هو أن يحكم علماء الدين. وهو أمر صريح في هذه الكتب التي يقول مؤلّفوها إنّ نظام الحكم الشرعيّ في الإسلام هو الخلافة. من ذلك أن الكتاب يعلّم التلاميذ “أنّ من مات وليس في عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهليّة”. فتنتقل الخلافة من نمط تاريخيّ من أنماط الحكم إلى واجب شرعيّ. وينقد الشرفي هذا المستند من الحديث النبويّ على اعتباره حديث آحاد علاوة على أن مفهوم الخلافة يجعل تونس مقاطعة من مقاطعات العالم الإسلاميّ ممّا يمسّ من مفهوم الوطنيّة وحبّ الوطن.

ويواصل الشرفي سرد ما وجده في الكتابين التعليميّين. ففي الصفحة 124 نجد: “دعا الإسلام أهله إلى الأخذ بأسباب القوّة المادّيّة والمعنويّة واكتساب وسائلها والحرص عليها والتأهّب المستمرّ للقتال في سبيل نشر الإسلام”. وهو تصوّر ينبني عليه مفهوم الجهاد الذي يعبّر عنه ما يوجد في الصفحة 129: “على المسلم أن يجاهد سياسيّا في سبيل الله”.

فالكتاب يؤسّس لرؤية جهاديّة حربيّة تستعيد نماذج من نمط الحياة الاجتماعيّ والاقتصادي القديم. من ذلك أن مصير الأسرى يتحدّد على النحو التالي المذكور في الصفحة 139:”إن ظفر المسلمون ببعض المحاربين أحياء يتّخذ بشأنهم الخليفة القرار الذي يرى فيه مصلحة المسلمين أو يسترقّهم”.

فممّا أثار الشرفي أن يتحدّث الكتاب عن العبوديّة والرقّ الناتج عن الحرب في بلد كان أول بلد إسلاميّ ألغى منذ أواسط القرن التاسع عشر العبوديّة. ولا يقدّم هذا الحديث عن الرقّ على أنه جزء من التاريخ القديم الإسلاميّ وغير الإسلاميّ وإنّما يعرض على الناشئة باعتباره ما يجب أن يكون وباعتباره من الإسلام الصحيح.

إنّ هذا التنافر بين المعطيات التاريخيّة التي تقدّم في كتب التربية الدينيّة والمجتمع المعاصر هو ما أدانه الشرفي في ندوته الصحفيّة. لكنّ هذا المنطق الذي يتداخل فيه التاريخيّ بالتربويّ والدينيّ يذهب إلى أقصاه ضمن منطق تقليديّ متماسك. إذ نجد في الصفحة 138: “ينقسم العالم من وجهة النظر الإسلاميّة إلى دار الإسلام وهي المناطق التي تطبّق فيها نظم الإسلام الدينيّة والسياسيّة وكلّ ما غيرها دار حرب يعني دار كفر ويجب محاربتها”.

وممّا ورد في اعتراضات الشرفي على ما يدرّس للتلاميذ التونسيّين في كتب التربية الدينيّة مسألتان أخريان. الأولى حول تارك الصلاة فقد ورد في الصفحة 170 ما يلي: “ترك الصلاة عمدا: الصلاة عماد الدين فمن تركها إنكارا لها فهو مرتدّ يستتاب فإن لم يتب وقع عليه حدّ الردّة”. ومشكلة الشرفي أنّ مثل هذا الحكم الذي يدرّس للتلاميذ سيؤدّي إلى حرب اجتماعيّة وخلق أناس “متزمّتين” و”متعصّبين” و”متطرّفين” و”عنيفين”، والعبارات له، في حين أن دور “أستاذ التربية الإسلاميّة، عنده، أن يرغّب تلاميذه في الصلاة وأن يدرّس قواعد الصلاة يعني أن يحبّب لهم الإسلام وأن يغرس فيهم الروحانيّات”.

أمّا المسألة الثانية التي أشار إليها الشرفي فتتّصل بما في كتاب السنة السادسة من ردود على فلاسفة القرن العشرين اعتبرها “رديئة” و”تعسّفيّة” أحيانا. من ذلك أن سارتر يوصف في الكتاب بالصهيوني والكافر والملحد.

هذه إذن مجمل الانتقادات التي دفعت الشرفي إلى إحداث تغييرات في كتب التربية الدينيّة بصفة مستعجلة. أمّا الحلول التي وجدها فهي تعويض كتابي السنتين الخامسة والسادسة بكتاب عنوانه “الاجتهاد والتجديد” ألّفه عدد من علماء تونس منهم مفتي الديار التونسيّة مختار السلاّمي ورئيس أحد معاهد الكلّيّة الزيتونيّة وبعض أعضاء بالمجلس الإسلاميّ الأعلى. وكل هؤلاء حسب الشرفي تقليديّون وليسوا ثوريّين.

وبالعودة إلى البرنامج الجديد نجد التلاميذ في السنوات الخامسة والسادسة والسابعة يدرسون جملة من المحاور. فمن مقدّمات الاجتهاد مثل أهداف الشريعة الإسلاميّة وأسسها وتطوّرها والمصالح المعتبرة في التشريع ينتقل التلميذ إلى آراء العلماء في الاجتهاد الدينيّ وعلاقته بالتقليد وأسباب الاختلاف بين المجتهدين في القرآن والسنّة ثم اجتهاد الرسول والصحابة. ويركّز برنامج السنة السادسة، بعد مراجعة جملة من المسائل المتصلة بموضوع الاجتهاد واختلاف المجتهدين واجتهاد الرسول والصحابة، على العلاقة بين الاجتهاد ونشأة المذاهب فحركة الإصلاح والتجديد في تونس والجزائر ومع محمّد بن عبد الوهاب والأفغاني ومحمّد عبده ورشيد رضا. ويتناول طلبة السنة السابعة جميع هذه المسائل في مادّة التفكير الإسلاميّ. وهو حلّ ظرفيّ يدوم حسب الوزير سنتين دراسيّتين في انتظار إعادة النظر جذريّا في جميع البرامج وإصدار الكتب الجديدة ابتداء من السنة الدراسيّة 1991 -1992.

ولم يكن من باب الصدفة أن كلّف الشرفي جامعيّا من آل النيفر، وهي عائلة زيتونيّة معروفة، للإشراف على هذه العمليّة الدقيقة. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ إحميدة النيفر المكلّف بهذا الملفّ من الذين انشقّوا عن الجماعة الإسلاميّة التي ستصبح في ما بعد حركة الاتجاه الإسلاميّ ثمّ حزب النهضة بصفة مبكّرة متّجها نحو ما يعرف باليسار الإسلاميّ أو الإسلاميّين التقدّميّين. فقد أصدر مجلّة للفكر الإسلاميّ بعنوان “15 / 21” استمرّت في الصدور من سنة 1982 إلى سنة 1990.

وقد ذكره راشد الغنّوشي في كتابه “من تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس” على أنّه رفيق دربه في بداية تأسيس الجماعة الإسلاميّة وعلى انّه قاد انشقاقا داخل الجماعة عرف باسم الإسلاميّين التقدّميّين أو اليسار الإسلاميّ. وقال عنه في هذه المرحلة التي اشتغل فيها مع الشرفي ما يلي: “استلم بعض أفراد [هذه المجموعة] مناصب رسميّة عليا مع علمانيّين عتاة، فوزير التربية الشرفي مثلا، الذي عرف عنه عداؤه الشديد للخيار الإسلاميّ والذي أتِيَ به لمصادرة ما تبقّى من تديّن في مناهج التعليم، كان مستشاره الدينيّ أحد رموز هذا التيّار الإسلاميّ التقدّميّ” (الغنّوشي، من تجربة الحركة…، ص ص 45 – 46).

ولم يكن ردّ فعل النهضة على ندوة الوزير أول ردّ فعل في المشهد الدينيّ والسياسيّ التونسيّ. فمنذ شهر أوت وقبل الندوة الصحفيّة وقّع عدد من أساتذة التربية الإسلاميّة عريضة اعتبروا فيها مشروع إصلاح مادّة التربية الإسلاميّة “لا يتماشى وثوابت الفصل الأوّل من الدستور” على اعتبار أنّ الإسلام دين الدولة وما كان ينويه الوزير مناقض له.

ودعّم شخص اسمه محمّد بن إبراهيم هذا الموقف بصفاته الثلاث التي كان يتّصف بها وهي أنّه أستاذ بكلّيّة الشريعة وعضو بالمجلس الإسلاميّ الأعلى ورئيس سابق للجنة القطاعيّة للتربية الإسلاميّة. إذ اعتبر التغييرات في برنامج التربية الإسلاميّة “مفاجئة ولم تخل من هوى الأشخاص غير المختصّين” (عن زمزمي، تونس الإسلام الجريح، ص 223).

 وسارع العميد السابق لكلّيّة الشريعة وأصول الدين الشاذلي النيفر إلى الإبراق إلى الرئيس بن عليّ منبّها إلى الحملة على الإسلام ومهاجمة كتاب الله والسخرية من أحكامه معبّرا عن أمله في أن يدفع “سيادته” وزيره للتربية إلى الكفّ عن ذلك (مجلّة “حقائق” بتاريخ 29 -09 -1989).

وبعد عشرين يوما تقريبا من الندوة الصحفيّة التي عقدها محمّد الشرفيّ، في 2 اكتوبر 1989 تحديدا، ظهر بيان حزب النهضة ممضًى باسم أحد الوجوه المعتدلة داخله وهو عبد الفتّاح مورو. كان عنوانه لوحده مكفّرا “لا للسخرية من الإسلام”! ويدلّ التأخير النسبيّ في إصدار البيان السياسيّ، ولا شكّ، على جدل داخل حزب النهضة بين مؤيّد لإصداره ومناهض أو على نقاش حادّ حول صيغته ومضمونه.

وقد رسم هذا البيان جملة الاتهامات التي سترافق الوزير طيلة السنوات الخمس التي قضاها على رأس وزارة التربية والتعليم والبحث العلميّ، وهي:

1/ تكريس “مشروع بورقيبة المحارب للإسلام واللّغة العربية” والهادف إلى “علمنة التعليم وتغريبه”. وليست الإشارة إلى بورقيبة هنا مسألة عرضيّة ولا هي من باب التركيز على العدوّ اللدود للإسلاميّين الذي عزله بن عليّ في 7 نوفمبر 1987 فسانده الإسلاميّون لأنه أبْعدَ عدوَّهم التاريخيّ. لذلك اعتبروا الشرفي مواصلا للنهج البورقيبيّ في التعليم والثقافة فكان في عيونهم أساسا فرنكفونيّا معاديا للعربيّة وعلمانيّا معاديا للإسلام. وبقطع النظر عن دلالة هذه الصفات وما وراءها من تصوّرات سلبيّة واتهامات صريحة فإنّ الإسلاميّين لم يخطئوا في أمر جوهريّ هو أنّ أهمّ إصلاحيْن للتربية والتعليم في تاريخ تونس المعاصر هما إصلاح 1958 مع محمود المسعدي وإصلاح محمّد الشرفي ولم يخطئوا في ربط علاقة النسب الفكري بين بورقيبة والشرفي فهو كما ذكرنا أحد أبنائه. بقي ما يحتاج إلى تساؤل وتأمّل لم اعتبر الإصلاحان معاديين لهويّة البلاد العربيّة والإسلاميّة؟ وما دلالة ألاّ يروق هذان الإصلاحان للمحافظين والإسلاميّين رغم اختلاف السياقين اللّذين تنزّلا فيهما؟

2/ “ إقدام الوزير المتحمّل لموقع المربّي الأوّل لما لا يقلّ عن ملونين من أبنائنا على السخرية من الإسلام ومقدّسات أبنائه الأمر الذي لم يسبقه إليه إلاّ بورقيبة”.

ولسنا في حاجة إلى التذكير بأنّ اسم بورقيبة في هذا السياق الثاني إنّما ورد على سبيل الاستبدال. ف”السخرية من الدين والمقدّسات” تعني في التصوّر الإسلاميّ عامّة الكفر وما يستوجبه من قتل وبورقيبة كافر حسب فتوى عدد من الشيوخ على رأسهم ومنهم بالخصوص الشيخ الوهّابي ابن باز على ما حلّلنا في الجزء الأوّل من كتابنا عن تاريخ التكفير في تونس.

ولئن لم يبرز التكفير صراحة في بيان النهضة فقد جاء ضمنيّا على وجهين. فمن جهة نجد الاستهزاء بالدين منصوصا على حكمه في القرآن: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ أن نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} (التّوبـَـة، 65 -66) أو في الآية: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (الجـَـاثيـَـة، 9). لذلك فإنّ الشرفي بمقتضى هذا الضمنيّ في عبارة “سخرية من الدين” كافر مرتدّ.

أمّا الوجه الضمنيّ الثاني فهو حمل سلوك الشرفيّ وموقفه من آيات ضرب المرأة في القرآن: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ للْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً أن اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} (النساء، 34) على موقف بورقيبة من بعض الآيات التي كفّره بسببها ابن باز. وهو ما يعني حمل الحكم الشرعيّ في بورقيبة على حالة الشرفيّ نفسه بجامع ما بينهما من استهزاء ببعض الآي من القرآن.

بيد أن البيان الذي أصدره حزب النهضة يحمل تلميحات خطيرة. فمن الطبيعيّ أن نجد فيه إدانة لهذا الاعتداء على “مقدّسات الأمّة ومشاعرها” و”تحميل السلطة مسؤوليّتها” وإعادة النظر في كيفيّة إدارة ملفّ الإصلاح التربويّ. بل من الطبيعيّ، والأمر على ما وصفنا من ضمنيّات توجّه الكلام وجهة التكفير، أن يطالب بإقالة الوزير باعتبار ذلك موقفا سياسيّا.

غير أنّ النقطة الخطيرة فيه وردت في العنصر الخامس الذي جاء غامضا: “تدعو العلماء والمُربّين إلى أداء دورهم”. فما هو هذا الدور؟ لسنا في حاجة كبيرة إلى تحليل ضمنيّات هذه الدعوة. فهي لا تترجم صراحة إلاّ بشكلين مناسبين للطرفين المدعوّين. فعلى “العلماء”، وهم رجال الدين والشيوخ في اصطلاح الإسلاميّين، أن يستخدموا المنابر المتاحة من الخطب الجمعيّة إلى حلقات الدعوة والكتابات المختلفة لمهاجمة الوزير والتشهير به والتصريح بكفره ولم لا التحريض بقتله. أمّا المربّون فدورهم أكثر مدنيّة عماده رفض الإصلاح والاعتراض عليه والامتناع عن تطبيقه من جهة والدخول في
إضرابات قصد الضغط على الرئيس لعزل الوزير.

ولم تتأخّر الاستجابة طويلا. فقد أصبح الشرفيّ وإصلاحه موضوعيْ الخطب الجُمعيّة غمزا فنقدا باسم الدين وصل إلى حدّ المجاهرة بتكفيره. ولعلّ أكثر هذه الخطب ا التي بقيت في أذهان الناس هي الخطبة التي ألقاها الشيخ عبد الرحمان خليف في جامع عقبة بن نافع بالقيروان. فقد كفّر في خطبته هذه الوزير الشرفيّ ودعا عليه دعاء مرّا رغم أنه كان وقتها شخصيّة رسميّة سواء في المجلس الإسلاميّ الأعلى الذي دخله سنة 1988 أو مجلس النوّاب الذي انتخب فيه عضوا يمثّل ولاية القيروان في قائمة الحزب الحاكم آنذاك التجمّع الدستوري الديمقراطي الذي خلف الحزب الاشتراكي الدستوري. وإذا استحضرنا أن الشيخ خليف كان أماما خطيبا ومن رجال التعليم بخطّة متفقّد لمادّة التربية الإسلاميّة التي نقدها الشرفي أدركنا أنه استجاب لبيان النهضة وإن كان في مرحلة انتقال من الإسلام الغاضب على السلطة إلى الإسلام الرسميّ. ولكنّ الأمر أشدّ تعقيدا إذا نظرنا إلى ما بين الإسلاميْن السياسيّ المحتج والرسميّ من وجوه التقاء سنبرز بعضها.

وبتتبّع ردود الفعل المختلفة حسب تواريخ صدورها نجد أن بيان النهضة كان معبّرا عن موقف أشمل يتبنّاه كل من له صلة بالدين من هيئات وأحزاب. فقد رأى حزب التحرير أن برنامج الشرفي يهدف إلى مزيد من “التغريب والتجهيل”. وقدّم المجلس الإسلاميّ الأعلى الذي يترأّسه آنذاك رئيس جامعة الزيتونة التهامي نقرة مشروعا مضادّا لمشروع الشرفي حافظ على جميع الأفكار التي انتقدها الوزير في الكتب الدراسيّة. فما كان من الوزير إلاّ أن أقاله من منصب رئاسة الجامعة وعيّن عليّ الشابّي خلفا له (زمزمي، تونس الإسلام الجريح، ص 223). فإذا جمعنا ردود الفعل هذه تبيّن لنا أننا أمام إعلان حرب واضح على وزير كافر.

 خفايا الكواليس السياسيّة

بيد أنّ حركة النهضة بالخصوص لم تكن تعرف، في ما يبدو، ما دار في الكواليس قبل الندوة الصحفيّة. وإذا كانت على علم به فموقفها أخطر من الناحية السياسيّة لأنّها لم تكن تواجه بذلك الوزير فحسب بل الرئيس نفسه القويّ بانتخابه منذ بضعة أشهر رئيسا للجمهوريّة في 2 أفريل 1989.

وعلى كلّ حال لم تكن المسألة تتطلّب نباهة كبيرة. فقد كان الإعلام السمعيّ البصريّ خصوصا تحت هيمنة بن عليّ. ولو رأى الرئيس في كلام وزيره عيبا لما سمح بعرض ثلاثين دقيقة من الندوة الصحفيّة بعد نشرة الأنباء مباشرة، أي في ساعة الذروة التي تحقّق أعلى نسب مشاهدة للتلفزيون التونسيّ وأصدر تعليماته بعرض ساعة كاملة من الندوة نفسها في الإذاعة.

وعلاوة على ذلك، يروي الشرفي في مذكّراته (Charfi، 2009، ص 228) أنه التقى الرئيس قبل الندوة الصحفيّة بيومين، في 12 سبتمبر 1989، وأطلعه على النماذج التي سيقدّمها في الندوة الصحفيّة من كتب التربية الإسلاميّة. فوافقه بن عليّ على إعلام الرأي العام بها. بل هنّأه في مساء يوم 14 سبتمبر بجودة خطابه أمام الصحفيّين وأعلمه بما قرّره من إذاعة أجزاء منه في التلفزيون والإذاعة.

لقد برّر الشرفي عرض التناقض بين نمط المجتمع التونسيّ وما يدرّس للتلاميذ بأنّه يرفض سياسة الأسرار وأراد باسم الشفافيّة التي تقتضيها الديمقراطيّة توضيح سياسته وفتح باب النقاش الديمقراطيّ على اعتبار الحوار الديمقراطيّ العموميّ الصريح أفضل من الحروب الخفيّة. وقد عبّر عن ذلك صراحة في ندوته الصحفيّة قائلا: “من باب مصادقة [يقصد قول الصدق] الشعب التونسي علينا أن نشرح لماذا حذفنا هذا الكتاب. حذفناه لأسباب موضوعيّة، أسباب مخالفة ما جاء في هذا الكتاب لمبادئنا، لمبادئ الدّيمقراطيّة، لدستورنا، لميثاقنا الوطنيّ، لكلّ ما يدّعي الجميع أنه يؤمن به” (راجع نصّ الندوة الصحفيّة في ملاحق هذا الفصل).

بيد أنّنا نحتاج إلى كثير من السماحة وحسن النيّة لنعتقد في رأي الشرفيّ البعديّ هذا. فالسياسة في جزء كبير منها تجري في الكواليس وما أكثر سياسة الكواليس التي مارسها الشرفيّ وتحدّث عنها في كتابه والمواقف التي عدّلها بعيدا عن الرأي العامّ. ويعرف الشرفيّ من جهة أخرى حساسيّة الموضوع بالنسبة إلى التونسيّين العاديّين. فالمسائل التي طرحها تبرز تناقضا حادّا بين النصوص الدينيّة وما استقرّ في سلوك المجتمع التونسيّ. ولم يكن ثمّة ما يمنع من تغيير المواضع غير الملائمة لخصائص القانون والمجتمع التونسيّين دون إحداث تلك الضجّة التي أحدثها بندوته الصحفيّة. ولا نظنّ سياسيّا محنّكا ومثقّفا من طراز رفيع مثل محمّد الشرفيّ يخفى عليه ذلك كلّه.

بيد أنّه اختار في ظنّنا المواجهة وفقع الدمّل لأسباب متداخلة. فلا ننسى سياسيّا أنه كان الوزير الوحيد غير المنتمي للحزب الحاكم وهو يحتاج إلى دعم من القوى الديمقراطيّة والمدنيّة وربّما فكّر في أن فتح المواجهة حول نمط المجتمع الديمقراطيّ كفيل بفرز سياسيّ كانت البلاد في حاجة إليه آنذاك وكان هو من رموزه التي وصلت إلى موقع القرار.

ولا ننسى إيديولوجيّا أنّ الشرفي الرئيس الخارج لتوّه من الرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان كان قد خبر الإسلاميّين في مناسبات عديدة داخل الرابطة وله موقف منهم ومن مدى إيمانهم بالديمقراطيّة بحكم معرفته بهم وصراعه معهم حول قضايا حقوقيّة. والمسألتان اللّتان طرحهما مناسبتان جدّا لاختبار مدى تمسّكهم بالميثاق الوطنيّ الذي وقّع عليه باسمهم المحامي نور الدين البحيري وهو ينصّ على التمسّك بالنظام الجمهوري الديمقراطي (ضدّ مفهوم الدولة الدينيّة) وبمكتسبات المرأة التونسيّة وحقوقها (على نقيض حقّ الرجل في ضرب زوجته). فقد ألزمهم بن عليّ بالقبول بجوانب منه يعتبرها الإسلاميّون “موغلة في العلمنة الإقصائيّة” لهم فكان الميثاق الوطنيّ بالنسبة إليهم “محنة حقيقيّة للحركة الإسلاميّة” بعد ان امضوا عليه باسم “فقه المصالح الضرورات” (الغنّوشي، من تجربة الحركة…، ص 115).

وقد يكون الأمر أبسط من ذلك تكشف عنه تفاصيل معركة غير معروفة أثبتها الشرفي وهو يروي سيرته ويتحدّث عن ظروف انطلاق عمله على رأس وزارة التربية والتعليم والبحث العلميّ. فقد انتصر في معركته الأولى هذه فأراد استثمار انتصاره لتدعيم موقعه سياسيّا وفكريّا ولمواجهة خصومه الذين بدأت تحرّكاتهم ضدّه تتكاثر.

   فقد كانت وزارة التربية تستعدّ عن طريق المركز القوميّ البيداغوجيّ، وهو بمثابة دار نشر للكتب المدرسيّة تتبع الوزارة، لطبع الكتب المدرسيّة في شهر أفريل من سنة 1989. فكلّف الشرفي بعض مساعديه بالاطّلاع على كتب التربية الدينيّة فجاءت التقارير مجمعة على أنّ الأمر فظيع جدّا لا يمسّ مجرّد مقاطع من الكتب بل يتّصل بالروح المتفشّية فيه. ولم يكن أمام الوزير إلاّ أن يلغي طبع كتابي السنتين الخامسة والسادسة اللّذين ذكرهما في ندوته الصحفيّة ليعوّضهما بكتاب حول الاجتهاد في الإسلام في انتظار إعداد كتب جديدة.

ومن الصدف (هل هي صدفة؟) أن يكون مؤلّفا الكتابين من الموظّفين السامين في إدارة الشؤون الدينيّة بالوزارة الأولى. فتقدّم كاتب الدولة بتظلّم إلى الوزير الأوّل آنذاك الهادي البكّوش الذي لم يتوان في عقد اجتماع في شهر أوت من سنة 1989 حضره الشرفيّ وكاتب الدولة المعنيّ وثلاثة من موظّفي إدارة الشؤون الدينيّة من بينهم مؤلّفا الكتابين. واستحال اللقاء إلى اتّهامات واضحة لوزير التربية بسحب الكتابين دون العودة إلى الجهة المخوّلة لذلك وهي كتابة الدولة للشؤون الدينيّة.

والواقع أنّ القانون يفرض استشارة المجلسّ الإسلاميّ الأعلى في كلّ ما يتعلّق بتدريس الدين في مختلف مراحل التعليم. وهي الثغرة التي دخل منها أعوان الإسلام الرسميّ ليطالبوا بحقّ النظر على الكتب المدرسيّة. وهو موقف يذكّرنا، والشيء بالشيء يذكر، بطلب النظارة العلميّة لجامع الزيتونة في خصوص إصدار الحدّاد لكتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” من الوزير الأكبر سحبه بتعلّة أنّها لم ترخّص في طبعه (راجع، المبخوت، 2018، الفصل الثالث). ووجد رجال الدين الرسميّون أنفسهم حتّى قبل بيان تطفير النهضة في خندق واحد مع الإسلام السياسيّ.

لكنّ الشرفي على ما يروي في سيرته الشخصيّة (Charfi، 2009، ص ص 227 -228) اكتفى بقراءة نماذج من الدرر التي وجدها في الكتابين فتلقّفهما الوزير الأوّل منه متصفحا متثبّتا فأسقط في يديه وطفق ينقد المؤلّفيْن. ولم يكن أمامه من حلّ إلاّ أن يصادق على موقف الوزير بسحب الكتابين وينهي الاجتماع.

وأعاد الشرفي على مسمع الرئيس بن عليّ يوم 12 سبتمبر 1989 قبيل الندوة الصحفيّة بيومين قراءة الشواهد المدينة للمؤلّفين ليعلمه بأنّه سيقرأها أمام الرأي العامّ. وبهذا ضمن موافقة أعلى هرم السلطة على ما اعتزم القيام به.

إذن هاتان هما القصّتان المعروفة والخفيّة اللّتان اندلعت بعدهما الحرب ضدّ الشرفيّ بصفة علنيّة خصوصا إثر بيان حزب النهضة. وليس غريبا أن تكون بدايتا المعركة مع أطراف دينيّة. فهل كان بين الصنفين من الإسلام الرسميّ والسياسيّ تحالف موضوعيّ بسبب الالتقاء في المنطلقات والأهداف مع الاختلاف في الوسائل؟ الثابت حسب الشرفيّ أن وجوه الإسلام الرسميّ يتكفّلون بإعداد الشباب في المدارس والمعاهد والدعوة في المساجد في حين يتلقّفهم الإسلام السياسيّ ليمارس بهم السياسة في الفضاء العام (Charfi، 2009، ص 227).

 غير أنّ الشرفيّ في مذكّراته أفاد بأنّ معركته بدأت مع الإسلام الرسميّ قبل الإسلام السياسيّ. ويتمثّل هذا الإسلام الرسميّ في موظّفي كتابة الدولة للشؤون الدينيّة وأئمّة المساجد بالخصوص (Charfi، 2009، ص 226).

هل استهزأ الشرفي بالدين؟

لقد انطلق بيان النهضة ضدّ الشرفيّ من فكرة الاستهزاء بالدين وما تقتضيه من أحكام شرعيّة ضمنيّة على ما بيّنّا. إلاّ أن السؤال المطروح هل استهزأ الشرفيّ بالدين حقّا؟

حين نعود إلى التسجيل المصوّر للندوة الصحفيّة نجد الشرفيّ يعلّق على بعض ما نقده ممّا يوجد في الكتابين المدرسيّين قائلا: “ ندرّس لأبنائنا باسم الإسلام، والإسلام بريء من هذا، أنّ الديمقراطية معادية للإسلام. وهنا أريد أن أؤكّد أنّنا دولة عربية إسلامية لا شكّ في ذلك ولا أحد يناقش في ذلك والفصل الأوّل من دستور البلاد يؤكد أنّ تونس دولة حرّة مستقلة ذات سيادة الإسلام دينها العربية لغتها وليس هناك منازع” (راجع نصّ الندوة الصحفيّة في ملاحق هذا الفصل).

فكلام الوزير، كما هو بيّن، يبرئ الدين الإسلاميّ ممّا اعتبره ماسّا بالمجتمع التونسيّ وقوانينه. وهو إلى ذلك يؤكّد أنّ تونس بلد إسلاميّ طبقا لما ورد في الدستور. إذن فالاستهزاء بالدين ادّعاء واضح. وحتّى الآية حول ضرب النساء فلم يعلّق عليها في ذاتها بل أوضح أنّ تدريسها يتناقض مع القانون التونسيّ دون إشارة أو تلميح يفيدان أنّه يستهزئ بالنصّ القرآنيّ. فأقصى ما قاله الشرفي هو: “نريد ألاّ يقع استعمال التاريخ الاسلامي لمعاداة مبادئ الحرية والديمقراطية”.”

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق