ثقافة وفنون

الإرهاب: نظم الدعاية وأساليب الإقناع…إصدار جديد للكاتب والباحث وليد ذويبي

تونس (الحرية التونسية) عبد الجليل طاهر بنجدو:

تدعّمت المكتبة الوطنية ببلادنا هذه الأيام بإصدار جديد بعنوان ” الإرهاب: نظم الدعاية وأساليب الإقناع ” للكاتب والباحث أستاذ الشريعة الزيتوني وليد ذويبي.وصدرت الطبعة الأولى عن دار الثقافية المنستير في 303 صفحة من الحجم المتوسط. ويعالج المؤلف ظاهرة الإرهاب من منطلق أن الإسلام ينبذ العنف والإرهاب ويأمر بالرفق والرحمة والعدل والإحسان ويتميز باليسر والرحمة ومسايرة الفطرة السليمة. ويمتلك منهجاً سوياً وأساليب مُؤثرة وناجحة في معالجة القضايا الإنسانية، بغض الطرف عن الجنس، أو الدين، أو اللون، أو المكانة أو غير ذلك. لكن بعض المتشدّدين أساؤوا لصورته الناصعة ولسماحته العالمية من خلال تشددهم المذموم وتضييقهم في المفهوم بدعوى الحرص على سلامة الدين والحفاظ عليه.وكان من نتائج هذا الغلوّ ظهور أو تكاثر الجرائم ضد الشعوب وضد الإنسانية برمتها حكومات ومجتمعات وأفرادا وهذا الذي يُصطلح عليه بـ”الإرهاب” فكرا وتنظُّما وممارسة. وهو يشكل خطرا يهدد بتقويض دعائم الأمن والاستقرار ويعيق التنمية في كل مجالاتها المختلفة مما يجعل التصدي لهذه الظاهرة أمراً لازماً وذلك من خلال العمل الجاد من أجل معالجتها معالجة شافية وكافية بكل الوسائل والسبل الممكنة لدى القادةوالمفكرينوالباحثينحسب قدراتهمومهاراتهموعدم التواكل والتوانيفي مواجهتها ومعالجتها. إن الظاهرة الإرهابية دعوة واحدة وفكرة واحدة يعود تنوعهاالظاهرإلى اختلاف المواقع السياسية لفاعليهاوليس إلىتنوع فكري وإيديولوجي. ومن أبرز ما يبين “الوحدة” الفكرية للتيار الإرهابي أسلوبه “الدعوي”*الترويجيالمقروء والمسموع والمرئي وفي عمله على السبل الدعائية التي يتوخاها دعاة هذا الفكر كي يتسنى لهم ترويج أفكارهم وتصوراتهم، بل، وهذا هو الأهم والأخطر، تلك السبل التي تمكنهم من استقطاب المناصرين ذوي القدر العالي والخطير من الإذعان.

السلفية والإرهاب

    ويتكون هذا التأليف الجديد من مقدمة وثلاثة فصول وكل فصل على جملة من المباحث والتي تَوَّجها الكاتب بخاتمة بلور من خلالها تصورا لبرنامج عملي من أجل الوقوف في وجه الظاهرة الإرهابية. وقد خصص الفصل الأول لتناول مداخل المفهوم والدلالة وذلك من خلال البحث فيمرجعيات الإرهاب الفكرية والنظرية وهو ما أطلق عليه “الهوية السلفية”. فالسلفية هي الإطار المرجعي الذي يؤسس عليه الإرهابي نظام دعايته ويروج من خلالها لنفسه لنكشف بأن المرجعية السلفية التي يقدمها الإرهابي ما هي إلا مرتكز لتحديد هويته الإرهابية. لقد حول الإرهابي مفهوم “السلف” و”السلفية” إلى عقيدة مقدسة تجعله الناطق الرسمي باسم الدين وبالتالي فلا إيمان إلا ما كان على شاكلة تصوره وهذا ما وقف عليه الكاتب من خلال البحث في موقفه من التعدديةو بما تعنيه من اختلاف وتنوع وتقديمه لذاته على أنه يمثل”الفرقة الناجية المنصورة”، في مواجهة فرق البدع والضلالة، وهذا يدلف بنا إلى ركيزة من ركائز الفكر الإرهابي وهو”تكفير الآخر”.لذا خلص الإرهاب إلى وضع “خطة استراتيجية” للسيطرة على مفاصل المجتمع والحلول محل السلطة القائمة وبنى مشروعه هذا على خطوات ثلاث هي: التميّز والتغلغل الناعم وإدارة التوحش.أما الفصل الثاني من الكتاب فقد خصصه الكاتب للبحث فيآليات وأسس الدعاية والاستقطاب في الفكرالإرهابي ومهد لذلك ببيان مفاهيم الدعاية والترويجباعتبارها فنوناللإقناع والحجاج. وعرض جملة من هذه الوسائل والآليات الدعائية وهي: الدعاية العمودية – والدعاية الأفقية -والمتواليات العددية – والدعاية التحريضية والدعاية باعتماد ما يسمى بحجاج القوة والدعاية بتوظيف الصورة.

الارهاب والاستقطاب

يظهر جليا للعيان أن الفكر الإرهابي يسلك منهجا منظما ومدروسا بعناية فائقة، للتأثير في أكثر عدد ممكن من المتلقين، وهم جمهوره المستهدف بالاستقطاب. وليست غاية الإرهابي الإقناع بما هو حوار وصدور عن موقف ذاتي بعيدا عن كل وسائل الهيمنة والإكراه، بل على العكس من ذلك كله، فالإقناع، باعتباره استراتيجية يعتمدها الإرهابي، قائم على محاصرة المتلقي، وإكراهه على القبول بالمشروع الإرهابي، على أنه ضرب من “الخلاص الديني” واستحقاق للفوز بالجنة في الآخرة، ولا يمكن التحقق بمعاني الإيمان إلا باتباع خطى هذا الداعية الإرهابي. وقد اشتغل المؤلف في بيان هذه المعاني على فئة المراهقين لأنهم أكثر الشرائح استهدافا بنظام الدعاية الإرهابي وحلّل كيفيات استدراج الداعية الإرهابي لهذه الفئة الهشة من المجتمع، وبما يحول أفرادها إلى أتباع مخلصين ينتظرون الفرصة المناسبة للتعبير عن مطلق إذعانهم للداعية الإرهابي. ومن هنا كان لزاما الوقوف على بعضخصائص الحجة لدى الداعية الإرهابي. أما الفصل الثالث فقد خصصه للنظر في مقومات صناعة الداعية الإرهابي، أي لبيان النموذج (profile/modèle)الذي يقدم به الفكر الإرهابي داعيته؛ فهوالعارف بالدين أصولا وفروعا، لذلك يمثل، بالنسبة لجمهوره المستهدف، المرجع الحصري والوحيد، ومن هنا فهويرفض التمذهب، فقها وعقيدة، لأنه فوق ذلك، ولأن مظاهر التعدد فقهيا وعقديا من المخالفات الصريحة لجوهر الدين، بزعمه. وما يؤهله لذلك اتصافه بالشمولية في التكوين العلمي والثقافي، من ناحية العلم، وبكون صادقاثقة، من ناحية الإذعان له، واتباع تعاليمه. وحتى تكتمل صورة هذا الداعية الإرهابي، كان لزاما أن يكون جذابا، تحل جاذبيته محل الفكرة والنظر العقلي والحوار والنقاش.

استراتيجية الخلاص

ونظرا إلى أن الظاهرة الإرهابية ظاهرة خطيرة ومتشعبة، فإن حلها بشتى تمثلاتهاوتمظهراتها على المستوى الفكري يحتاج في نظر المؤلف إلى استراتيجية كاملة تعمل على الأقل من خلال أربعة محاور رئيسية يتمثل أولهافي توفير الوسائل الممكنة لدعم الفكر الإسلامي المستنير والوسطي. ويدور الثاني حول إصلاح مناهج التربية والتعليم وذلك بدعم  البرامج التي تؤصل الشاب في هويته العربية الإسلامية، وتنمي لديه مبدأ القبول بالآخر والمخالف دون أن يكون أحد الهدفين بديلا عن الآخر. أما المحور الثالث فيتعلقبمواجهة العوامل النفسية المصاحبة للتطرف والإرهاب؛ مثل كراهية الآخر، وإماتة (أو إحباط) الضمير البشري، والتعود على العنف كوسيلة للتعامل مع الآخرين. بينما ينصبالمحور الرابع على السياسات الإعلامية في تناولها لموضوع الإرهاب ومتعلقاته.وبعبارة جامعة ومختصرة: يكتسح الفكر الإرهابي/التكفيري المتطرف، المجتمع والدولة إذا عجزنا عن الاستثمار في أثمن مشروع من مشاريع النهوض والنمو والتقدم الحضاري ألا وهو الإنسان والفكر الإرهابي ببساطة هو فكر ضد الإنسان…

تجذير فكر التنوير

وجاء هذا الكتاب الجديد في “تكملة” إضافية لكتابه الصادر سنة  2021 تحت عنوان “المحمود من أعمال القلوب المُقرّبة إلى عالم الغيوب”. ونعتقد موضوعيا بأن الكاتب وليد ذويبي قد ساعده الإشراف على إدارة الشأن الديني بولاية قفصة وإصداره لعديد المقالات في منشورات وزارة الشؤون الدينية ونشريات أخرى وتقديم برامج إذاعية دينية واجتماعية على خبرة تطويع التأليف. وللكاتب مشاريع إصدارات جديدة تحت عناوين “موسوعة الخطب الجمعية – نظرات تحليلية في السيرة النبوية وغيرها وهو خريج المعهد العالي لأصول الدين بجامعة الزيتونة سنة 2005 ومدير جهوي للشؤون الدينية بولاية قفصة منذ سنة 2015.

عبد الجليل بن جدو

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى