ثقافة وفنون

السيرة العطرة للدكتور هند شلبي

     تنحدر المرحومة الأستاذة الدكتورة هند شلبي من أسرة زيتونية عريقة ، فوالدها الشيخ أحمد شلبي أحد مدرسي الزيتونة. حفظت القرآن الكريم في سن مبكر على يد الشيخ المقرئ محمد الدلاعي برواية قالون عن نافع ، وهي من أوائل التونسيات اللاتي نلن تحصيلا علميا في جامعة الزيتونة ، حيث درست على يد كل من الشيخ العلامة محمد الفاضل بن عاشور والشيخ أحمد بن ميلاد والشيخ محمد الحبيب بلخوجة والشيخ العربي العنابي والشيخ محمد الشاذلي النيفر والشيخ احمد مهدي النيفر والشيخ عبد العزيز بن جعفر والشيخ الحبيب المستاوي وغيرهم رحمهم الله . وقد حصلت على الإجازة في أصول الدين عام 1968، وارتقت في درجاتها العلمية لتنال الدكتوراه ، ثم عُينت أستاذة وباحثة في علوم القرآن عام 1981 في الجامعة ذاتها إلى أن تقاعدت.

اهتمت بالبحث العلمي والتحصيل الأكاديمي واختارت الابتعاد عن الأضواء، حيث ألفت العديد من الكتب والبحوث في التراث الإسلامي . فقد أصدرت رحمها الله خمس مؤلفات تراوحت بين التأليف والتحقيق في الفترة ما بين (1990-1979) . وأول مؤلفاتها هو تحقيق كتاب ” التصاريف ” وهو تفسير ليحيى بن ســلام صدر عام 1979 ( وهو أقدم تفسير تناول بالشرح القرآن كاملا ، وهو من القرن الثاني للهجرة ) ، والكتاب يعد من المؤلفات الأولى في الأشباه والنظائر . أما إصداره الثاني فهو ” القراءات بإفريقية منذ الفتح إلى منتصف القرن الخامس ” والكتاب في أصله هو رسالتها للدكتوراه أرخت فيها إسهام بلدها تونس في علم القراءات في القرون الخمس الأولى، وهي تعلل توجهها لدراسة هذا الموضوع رغم مشقته وندرة مصادره إلى أن الناظر في ميدان القرآن وعلومه بإفريقية يلاحظ أن الدراسات المتعلقة بالتأريخ تكاد تكون منعدمة إلا من دراسات جزئية تتناول الحديث عن شخصية بارزة أو تأليف مرموق .

     ويعد تحقيقها لكتاب تفسير يحيى بن سلام أشهر مؤلفاتها العلمية وليس هذا بغريب فهو يشكل حلقة وصل بين تفسير الطبري وبين التفاسير السابقة عليه كتفسير مجاهد .

وبنشر هذا التفسير الذي عثرت على بعض أجزاء منه تكون الأستاذة الدكتورة هند شلبي قد سدت الثغرة في تاريخ التفسير خلال هذه القرون الأولى . ومن آخر تحقيقاتها كتاب ” عنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل ” لأبي العباس أحمد بن البناء المراكشي وهو في تفصيل قواعد رسم المصحف.

وبالإضافة إلى هذه المؤلفات ذات الطابع التاريخي فإن لها كتابا آخر حظي بشهرة واسعة وهو ” التفسير العلمي للقرآن الكريم بين النظريات والتطبيق ” . وعلى كثرة البحوث والدراسات في التفسير العلمي فإن هذا الكتاب يعد من أجود الدراسات في هذا الموضوع إذ حرصت فيه على بيان آراء العلماء ومواقفهم وحججهم من هذا التفسير والاحتكام إلى القرآن الكريم وعلومه في التعامل مع التفسير العلمي من خلال دراسة تطبيقية لبعض مسائله .

كانت رحمها الله ، طوال مسيرتها العلمية ، مثالا في الهمة العالية وروح المثابرة والكفاءة والخبرة أفادت بها طلبتها على مدى عقود من الزمن ، وكانت مضرب الأمثال في كرم الخلق والتواضع للناس . نسأل الله أن يرحمها برحمته الواسعة وأن يدخلها جنات النعيم ، ويرزق أهلها وطلبتها وسائر الأسرة الزيتونية جميل الصبر ووافر السلوان . وإنـــا لله وإنا إليه راجعون .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى