تكنولوجيا

العالم السري للرقميين الرّحل.. كيف تصبح واحدا منهم؟

في هذا العصر الرقمي بامتياز؛ ربما تفكر في الانضمام إلى الحركة العالمية التي أصبحت تتشكل خلال السنوات القليلة الماضية، وهي حركة البدو الرقميين (حركة الرقميين الرحل)، وأن تصبح جزءا من هذه “القبيلة” العابرة للحدود والأجناس والقارات.

والبدو الرقميون هم أشخاص يعملون عن بعد عبر شبكة الإنترنت، وغير مرتبطين بمكان معين للعمل، وكثير منهم يملكون رفاهية العمل من غير الالتزام بوقت محدد.

وهم يعيشون في حالة تنقل وسفر شبه دائم من مكان إلى مكان نظرا لطبيعة عملهم عن بعد. ويتمتع الرحل الرقميون بالحرية والمرونة للسفر إلى أي مكان في أثناء عملهم، طالما أن هناك اتصالا بشبكة “الواي-فاي” (Wi-Fi)، وذلك وفق ما ذكرته منصة “ثرايف ماي وي” (thrive my way) مؤخرا.

وآخر أخبار هذه الحركة أو القبيلة العالمية الجديدة هي عقدها لاجتماع عالمي أشبه بمهرجان ضم أكثر من 550 بدويا رقميا في مسرح للمؤتمرات بمنتجع بانسكو للتزلج على الجليد على بعد 150 كيلومترا جنوب غرب العاصمة البلغارية صوفيا، وفق ما ذكرته “الديلي تلغراف” (The Daily Telegraph)‏ البريطانية” في تقرير لها قبل أيام.

ولم يكن هذا الاجتماع اجتماعا لممثلي ومديري الموارد البشرية في أكبر الشركات العالمية، بل كان مهرجانا حافلا وتجمعا للبدو الرقميين من مختلف أنحاء العالم بهدف التعارف والتكاتف فيما بينهم وتبادل الخبرات وصقل المواهب وتطويرها.

وذكرت الصحيفة أن هؤلاء البدو الرقميين الرحل جاؤوا من 41 دولة مختلفة، بعد أن نجحوا في تجنب قيود العمل في المكاتب، وتحرروا من سطوة الشركات، وذهبوا خلف أحلامهم التي جعلت التكنولوجيا منها أمرا ممكنا.

لكنهم بدلا من الالتقاء في منصات رقمية مثل منصة “زوم” (Zoom) قرروا الالتقاء هنا في هذا المنتجع الجميل في بلغاريا كي يتناقشوا ويبحثوا كيفية تطوير أعمالهم وكيف يصبحون أفضل كبدو رحل.

و”يشبه الأمر حتى الآن لقاء مهنيا محترفا على مستوى عال لخبراء الموارد البشرية لبحث أفضل السبل لتطوير عمل الموظفين في شركاتهم، أليس كذلك؟” تقول الصحيفة.

وهناك 35 مليونا من هؤلاء الرحل الرقميين في جميع أنحاء العالم، وهو رقم يُتوقع أن يصل إلى أكثر من مليار شخص بحلول عام 2035.

ويوجد في الولايات المتحدة وحدها أكثر من 15 مليون رحالة رقمي، ويبلغ متوسط أعمار هذه المجموعة نحو 32 عاما، والصدمة تكمن في أن 70% من هؤلاء البدو هم من النساء، كما ذكرت منصة “بروجكت أنتيذرد” (project untethered) في تقرير لها مؤخرا.

وقد أدى إغلاق الحدود لمدة عامين -بسبب فيروس كورونا، وزيادة الاعتماد على العمل عن بُعد لكثير من المؤسسات والشركات في العالم بسبب الظروف التي رافقت الجائحة- إلى فتح عيون الكثير من الشباب ممن تقل أعمارهم عن 45 عاما على الحرية الكبيرة الممكنة من خلال اتخاذ العمل عن بعد كنمط وأسلوب حياة بالنسبة لهم.

وعودة إلى تقرير صحيفة الديلي تلغراف؛ فقد ذكرت أن منظم هذا الاجتماع أو المهرجان العالمي في مدينة باسو البلغارية هو ماتياس تسايتلر الذي انتقل للعيش بهذه المدينة الريفية في بلغاريا من مدينة سالزبورغ النمساوية قبل 7 سنوات.

وعندما اقترح لأول مرة على بعض من أصدقائه العاملين عن بعد أن ينتقلوا مثله للعمل والعيش في الريف البلغاري، قال الجميع له “أنت مجنون”، وذلك وفق ما يعترف به الشاب البالغ من العمر 45 عاما الذي يدير 4 مساحات عمل وعيش مشتركة عبر المدينة.

وقال تسايتلر إنه مصمم على جعل بانسكو “العاصمة البدوية للعالم”، حيث يجذب الرحل الرقميين من أمثاله بوعد إيجار شهري منخفض يبلغ 175 جنيها إسترلينيا، ومعدل ضرائب منخفض بنسبة 10% وطبيعة ريفية فاتنة، مع فرصة للتزلج على الجليد في استراحة الغداء، وفي الحقيقة فقد نجح نسبيا بذلك؛ حيث تضاعف عدد البدو الرقميين في المدينة 5 أضعاف منذ عام 2020.

كيف يعيش البدو الرقميون وكيف تصبح رحالة مثلهم؟

قلنا إنه نجاح نسبي لأن الكثير من البدو الرقميين لا يشاركون تسايتلر رؤيته، فما حاجة البدوي الرقمي إلى مكان معين كي يستقر فيه؟ فهم رحل يتنقلون من مكان إلى آخر كما طاب لهم.

وفي الحقيقة إنهم يشبهون البدو العاديين في كثير من الأشياء، فالبدوي في الحياة الواقعية بيته خيمته، ووطنه مكان جيد لرعي أغنامه وماشيته، تماما كما هو حال البدوي الرقمي؛ فبيته حاسوبه المتنقل وهاتفه المحمول، ووطنه أي مكان جميل في العالم فيه شبكة “واي – فاي” قوية ومجانية.

وفي الحقيقة فإن المحرك الأساسي للبدو الرقميين هو “الحرية” ورغبتهم في السفر والتجول حول العالم وتجربة أماكن وحضارات وثقافات جديدة، كما أوردت منصة “بروجكت أنتيذرد” في تقريرها آنف الذكر.

وهذا حلم للكثير من البشر في العالم، ومع ذلك، فإن التحول إلى رحالة رقمي لا يحدث بين عشية وضحاها، بل يتطلب توفير المال وإنشاء علاقات عمل واتفاقيات مع الشركات التي تقدم وظائف عن بُعد.

ويبدو العمل عن بُعد وأنت مرتاح في منزلك أو من شاطئ رملي في أثناء احتساء عصير جوز الهند بمثابة حلم، أليس كذلك؟ لكن قبل أن تصبح بدويا رقميا وتتبنى أسلوب الحياة هذا، يجب أن تعرف بعض الأشياء عن العيش في الخارج لفترة طويلة.

إيجابيات وسلبيات الحياة البدوية

نشرت منصّة “ذا وورد واندررز” (the world wanderers) تقريرا موسعا عن البدو الرقميين اعتمادا على تجارب عدد من هؤلاء الرحالة النشطين الذي عاشوا هذا النوع من الحياة لمدة 5 سنوات حتى الآن. حيث يقولون “لقد عشنا في العديد من البلدان المختلفة وعبر 3 قارات، وعملنا في دول مختلفة بلغات وثقافات مختلفة، وسافرنا بمفردنا، وشهدنا تقلبات الحياة البدوية”.

ويذكر هؤلاء الرحل إيجابيات وسلبيات نمط الحياة الذي اختاروه بناء على تجاربهم الخاصة التي عاشوها بالفعل.

الإيجابيات

  • أن تكون قادرا على العيش في مكان من اختيارك، وفي منطقة ذات تكلفة معيشية منخفضة لتوفير المال، والتخلص من “البيئة السامة” لسياسات المكتب.

  • استكشاف ثقافات جديدة وتكوين صداقات من خلفيات عرقية وحضارية مختلفة.

  • اكتساب مهارات مختلفة وتعلم لغات جديدة.

  • اكتساب منظور واسع للحياة من خلال السفر مع وجود جدول زمني مرن وقابل للتعديل.

  • الاستمتاع بالطبيعة؛ فتستطيع العيش على الشواطئ الدافئة في فصل الشتاء القارص، أو التمتع بنسيم الجبال خلال الصيف.

السلبيات

بالنسبة للكثير من الناس فإن العمل من أي مكان هو حلم. ومع ذلك، هناك أيضا عيوب في أسلوب حياة الرقمي البدوي، وذلك مثله مثل كل شيء آخر في الحياة. وبعض العيوب التي ذكرها هؤلاء البدو هي:

  • عدم وجود الاستقرار.

  • يتبع هذا عدم القدرة على إنشاء عائلة، فالاستقرار النفسي والاجتماعي هو عصب حياة الأسر في أي مكان وزمان.

  • قد يؤثر الترحال المستمر على الإنتاجية، وفي مرحلة معينة سيصبح مرهقا نفسيا وجسديا مع عدم القدرة على إنشاء روابط حقيقية دائمة سواء مع البشر أو الأمكنة.

كيف تصبح بدويا رقميا؟

بعد أن عرفت إيجابيات وسلبيات الحياة التي يعيشها البدو الرقميون، وإذا ما زلت ترغب في الانضمام إليهم، نقدم لك 7 نصائح وخطوات عليك اتباعها كي تصبح عضوا في هذه القبيلة الجديدة من البشر، وذلك وفق ما ذكرته منصة “نيرد والت” (nerd wallet) مؤخرا.

1. اختر مدينة فيها مجتمع بدوي رقمي

إن وجود مجتمع من البدو الرقميين للتواصل معهم أمر بالغ الأهمية، فهم سيساعدونك على التأقلم ويدمجونك ضمن مجتمعهم، ويقدمون العون لك على أكثر من صعيد.

ومعروف عن البدو الرقميين أنهم يتضامنون مع بعضهم البعض، وهناك الكثير من المدن والدول التي تضم مجتمعات بدوية مثل مدينة ميديلين في كولومبيا، وبلايا ديل كارمن في المكسيك، ومدينة بالي (في إندونيسيا)، وهي 3 وجهات شعبية للرحالة الرقميين. كما أن هناك مدنا أخرى مثل تبليسي في جورجيا وبانكوك في تايلند، ولشبونة في البرتغال، وصوفيا في بلغاريا، وغيرها الكثير من المدن.

وننصحك بالبحث في “غوغل” (Google) و”ريديت” (Reddit) وكذلك مجموعات الفيسبوك الخاصة بهؤلاء الرحالة كي تختار المدينة المناسبة لك.

2. اختر الحساب المصرفي الصحيح وبطاقات الائتمان

تفرض بعض البنوك رسوما عند استخدام ماكينة الصراف الآلي لبنك آخر. في المقابل، قد تفرض البنوك أو أجهزة الصراف الآلي الأخرى رسوما خاصة بها.

وإذا لم تحدد البنك الذي تتعامل معه بحكمة، فقد تكون عالقا في دفع مجموعتين من رسوم أجهزة الصراف الآلي في كل مرة تسحب فيها النقود.

وتستطيع إنقاذ نفسك من كل هذا باختيار بنك لا يتقاضى مثل هذه الرسوم. ويعد بنك “تشارلز شواب” (Charles Schwab) خيارا شائعا للخدمات المصرفية الرقمية للبدو لأنه يقدم خصومات غير محدودة على رسوم أجهزة الصراف الآلي في جميع أنحاء العالم.

وستحتاج أيضا إلى الحصول على “بطاقة ائتمان للسفر” (travel credit card) لا تفرض رسوما على المعاملات الأجنبية، والتي يمكن أن تصل إلى 3%.

فلا يوجد سبب لدفع هذه المبالغ إذا لم تكن مضطرا لذلك، حيث تتنازل بطاقات ائتمان السفر المميزة عن رسوم المعاملات الأجنبية وتقدم أيضا نقاطا إضافية على فئات معينة (على سبيل المثال، السفر وتناول الطعام ومشتريات البقالة) والعديد من الامتيازات الأخرى للمسافرين.

 3. قرر ماذا تفعل بأشيائك الخاصة قبل السفر

إذا كنت تريد أن تكون رحالة رقميا، فإن أسهل سيناريو هو إنهاء عقد إيجار شقتك وتخزين أغراضك مع العائلة أو في منشأة تخزين.

أما إذا كنت تمتلك منزلك أو شقتك، ففكر في تأجيره لمستأجر طويل الأجل، أو إذا كانت مدينتك تسمح بمشاركة المنزل، مثل”إير بي إن بي” (Airbnb) ففكر في تعيين شخص ما لإدارة هذه العملية نيابة عنك، حيث يمكن أن يكون هذا وسيلة رائعة لتقليل التكاليف العامة الخاصة بك وربح بعض المال.

4. اختر بلدا يتوافق مع ساعات عملك

إذا كانت لديك وظيفة عن بُعد في الولايات المتحدة، فسيكون لديك أسهل وقت للعمل من المواقع التي تتداخل فيها المناطق الزمنية مع الولايات المتحدة.

وعليك تجنب وجهات مثل آسيا، حيث يمكن أن يكون الفارق الزمني من 10 إلى 12 ساعة بسهولة، مما يجعل من الصعب جدا أن يكون لديك أي نوع من الحياة الاجتماعية أو روتين صحي بالإضافة إلى العمل.

أما إذا كنت في الشرق الأوسط فإن بلدا مثل جورجيا أو بلغاريا سيكون خيارا رائعا.

5. ضع في اعتبارك متطلبات التكنولوجيا الخاصة بك

ابتعد عن تحويل خطك وهاتف عن وضع التجوال الدولي فهو مكلف كثيرا. وتتمثل إحدى طرق اختراق السفر الشائعة في شراء “بطاقة هاتف” (SIM) مسبقة الدفع مع خطة بيانات في وجهتك الدولية. حيث يعد هذا خيارا أفضل بكثير من إبقاء هاتفك في وضع التجوال الدولي باستمرار. وهذا ليس حلا مستداما عندما تعيش في الخارج كبدوي رقمي.

كما يمكنك شراء بطاقة محلية في البلد التي تقرر العيش فيها، وهذا يعد خيارا جيدا أيضا.

واحرص أيضا أن يكون جهازك المحمول (اللابتوب) محدثا ومزودا بأفضل البرامج التي تحتاجها في عملك، مع وجود حماية قوية عليه، وتذكر أن حاسوبك وجوالك هما الرئة التي تتنفس وتعيش عليها ومنها.

6. احصل على تأمين صحي دولي

اعتمادا على المكان الذي تسافر إليه، قد تكون الرعاية الصحية المحلية غير مكلفة نسبيا مقارنة بالتغطية في الولايات المتحدة أو بعض الدول الغربية، ومع ذلك احرص على شراء تأمين صحي دولي للحالات الطارئة.

7. انضم إلى مجتمعات العيش المشترك

إذا كنت قد أجريت جميع الأبحاث، ولكنك ما زلت تشعر بالتوتر حيال القيام بهذه الخطوة بمفردك، ففكر في الانضمام إلى مجتمع من مجتمعات “العيش المشترك / العمل المشترك” (a co-living/co-working community)، وهناك العديد من الشركات المعروفة التي تدير تجمعات منسقة تتراوح مدتها من شهر إلى عام في أجزاء مختلفة من العالم.

المصدر: الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى