مقالات رأي

العكروت: “الجندي والمواطن”

العكروت: 🇹🇳

“الجندي والمواطن

إنّ ابتعاد الجيوش عن السّياسة هو بالتّأكيد الأمر الأكثر قيمة والأكثر نفعا للجنود والجيوش معا. ومهما كرّرنا القول فإنّنا لانوفيه حقّه.

يعتبر المجتمعُ والجهات الفاعلة السياسية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك أكبر الديمقراطيات، المؤسسةَ العسكرية لاعبا محتملا في اللعبة السياسية، ليس بسبب قدرتها على استخدام العنف، ولكن بسبب قدرتها على ردع استخدام العنف في الخارج وفي الداخل. هذه هي إذن الطريقة التي يجب أن ننظر بها إلى الجيش، وليس كقوات خاضعة أومُدّجنة. هذا هو جيش القرن الحادي والعشرين.

قد يكون هذا مفاجئا للبعض، لكنّ الجيش التونسي يقف على أعتاب هذه النوعيّة من الجيوش الحديثة. والمناشدات الموجهة لرئيس الدولة الموقعة من قبل بعض الزملاء لن تغيّر أيّ شيء على أرض الواقع خلال تاريخه الطويل، وبالتوازي مع تغييرات في النظام، لم يحاول الجيش التونسي أن ينقلب قَطّ أو أن ينفّذ انقلابا، ولم يرغب في الإطاحة بسلطة مدنية أبدا.

وفي تقاليد الجيش وفي تنظيمه، تمّ دمج القاعدة القائلة بإخضاع العمل العسكري للقرار السياسي. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه ليست جملة بسيطة أو مبدأ يتم طرحه في انتظار الاستثناء.

كما يشهد عسكريون ومتخصصون في مسائل الدفاع من علماء السياسة، جميعًا على “تشكّل” الاستجابة الهيكلية والعمليّة للجيش وفق هذا المبدإ وأنّ هيكلها التنظيميّ نابع منه.

ربما سيخيّب ما سأقوله آمال بعض الذين يؤمنون بعقليّة المؤامرة بأنّه لم يكن هناك “بيان رقم 1” من الجيش مطلقًا وأجرؤ على القول بأنه لن يكون هناك أبدًا.

في عامي 2011 و 2012، لم يرغب الجيش مطلقًا في الاستيلاء على السلطة، ولم يحاول ذلك حتّى افتراضيًا. لقد كنت شاهدا وأحد الضامنين للأمن في ذلك الوقت وقمت بالحفاظ على سلامة البلاد وفق القوانين النافذة.

وليكن في العلم أنّ للجيش وسائل مختلفة: نساء ورجال، ولكن فوق كلّ ذلك التقاليدُ ووجوب احترامها.

أسوق هذه الشهادة من أجل تدريس التاريخ. ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة متفرّقة مطروحة من قبل الرأي العام والصحفيين والمواطنين وهي استفسارات مشروعة طبعا كأسئلة حول استخدام الرتبة قبل الاسم، وخاصّة حقّ الجنود في صفتهم كمواطنين بمجرد انتهاء حياتهم العسكرية وماذا نحمل في نهاية خدمتنا.

في الماضي، كان الجندي المغادر يتلقى أجرًا نهائيًا كما أنّه كان لديه الحقّ في أخذ بعض أسلحته معه، والتي يمكن صرفها لاحقًا كمنح إضافيّة على الدخل، ثمّ يعود إلى الحياة المدنية مع بعض صفات الجندي. أمّا في الجيوش الحديثة، فإنّ الشيء الوحيد الذي يمكن للجندي أخذه هو رتبته الأخيرة ويكون استخدامها فخريا ويؤطره القانون. تسمح القوانين التونسية بذلك ويكفي أن نعود إليها ولقراءتها.

فبمجرد الانتهاء من المهمة وبمجرد تنظيم وداع للسّلاح ، يأخذ الرجل العسكريّ أو المرأة العسكرية الرتبة الأخيرة فقط. هذه هي العادات وهذه هي القواعد وتكون تلك الرتبة هي مكافأته الوحيدة على الوقت الذي يقضيه في الجيش.

إن أحسّ أحدهم بالإهانة من أجل هذا أو كان لديه اعتراض فليقم بإصدار قانون يمنع هذا الاستخدام.

إنّ اتهام بعض الناس بالصمت على افتراض وجود مؤامرة ، ليس أمرًا يستحق اللّوم من حيث المبدإ فقط، بل أيضًا وفق القانون. فالانسحاب من الحياة العسكريّة لا يعني الانسحاب من الحياة ولا يمكن الحكم على أيّ شخص بمثل هذا القتل الرحيم فالجندي السابق هو مواطن مثل أي شخص آخر.

أيّ هذين الأمرين أخطر في بلادنا، أن يضمّ المجلس بين أعضائه نواب متهمين بارتكاب جرائم مختلفة أو أن يبدي عسكريّ سابق ليس له سجل جنائي رأيه في مقال؟

ما الذي يكون مدعاة للشرف والفخر، أن يكون لدينا بارون سابق في التهريب، يصبح نائبًا وينظّم حفل تسليم شارات إلى رئيس الجمارك المحليّة أم أن يكون لدينا عسكريّ وضع حياته في خدمة وطنه لسنوات؟

هل يمكن للمجتمع أن يقبل أنّ البعض من بين أولئك الذين يمجدون الإرهاب والذين أصبحوا أعضاء في البرلمان ، أن يكون لهم الحق في الاستماع إلى قادة عسكريين في لجنة برلمانيّة (معرضين حياتهم للخطر) وأن يفتحوا قواعد عسكرية للتفتيش وأن يرفضوا إبداء عسكريين سابقين لآرائهم، بما في ذلك آراؤهم في القضايا الأمنيّة؟

هذه هي الأسئلة التي يجب على المجتمع المدني الإجابة عنها.

لا نرجو شيئا من الطبقة السياسيّة الحاليّة، فقد استوعبت امتيازاتها إلى درجة إنكار ما هو واضح للعيان. والخطر لا يكمن في مجرد بعض خطوط

رسمها عسكريّ.

إنّما يكمن الخطر في الرغبة في استغلالها في سباق محموم على السّلطة حتى لو كان ذلك باستعمال الحيل فبعض التساؤلات ليست بريئة من حيث التوقيت والصياغة لكنّنا اعتدنا على هذا السلوك.

على الرغم من كلّ شيء، يظل العسكريّ مواطناً مثل أي

شخص آخر إلاّ إذا أرادوا أن يضعوه في خانة أقلّ أهميّة من باقي فرعية من المواطنين، والتي ، على الرغم من كونها أساسيّة في الدولة وأساسيّة بالنّسبة إلى الشّعب ، ستبقى مذنبة إلى الأبد في نظر البعض. وفي قمّة الظلم وقمّة التّراجع الاجتماعيّ والسّياسيّ.

لا يتمثّل الحلّ في إدانة العسكريين دائما وأبدا والتقليل من شأنهم ، ولا حتى في إلغاء لدور الجيوش..الحلّ خارج هذه الدّائرة.

إذا كان الفاعلون السياسيون يتمتعون بنزاهة منقطعة النظير، وإذا كانت سياستهم مشروعة وكانت الأفعال قانونية ، إذا كانت الأعمال وفقًا للوعود، وإذا كان المواطن مُحتَرمًا وكانت كرامته محفوظة ، وإذا لم يتم بيع البلاد لكلّ من هبّ ودبّ وكانت سيادتها معروضة كضمان للقروض غير المستحقة ، وإذا لم يكن الدستور هزيلا، فمن المؤكد أن هناك البعض ممن قد يرغب في أن ينخرط في إنقاذ البلاد، وهناك بالتأكيد من هو شغوف بالوطن ومن هو عاشق له ، وهناك خاصّة واجب العمل على تلافي مثل هذه النقائص ومثل هذا الإفلاس غير المسبوق تاريخيًا.

هذا الإفلاس وهذه الخسائر ليست خياليّة، بل تعبّر عنها الأرقام والحقائق. يعيش اليوم 23٪ من التونسيين تحت خط الفقر ويشعرون بعد عشر سنوات من الحكم

بالإهانة.

لا تنبت المغامرات السيئة في أذهان العسكريين ، لكن السياسة السيئة يمكن أن تؤدي إلى مغامرات سيئة ، تذكروا فقط سنوات 1978 و 1984 و 2010.”

الاميرال (م) كمال العكروت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى