أخبار عالمية

دروس مستفادة من هجرة رسول الله ﷺ (الحلقة 1\5) – الدكتور زغلول النجار 

دروس مستفادة من هجرة رسول الله ﷺ (الحلقة 1\5) – الدكتور زغلول النجار 

في فجر الجمعة الموافق 27 من شهر صفر سنة 14 من البعثة النبوية الشريفة الموافق 13 من شهر سبتمبر سنة 622 م، هاجر رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، انصياعا لأمر الله تعالى بعد ثلاث وخمسين سنة قضاها رسول الله ﷺ في مكة. وكان في هذا الحدث العظيم كم هائل من الدروس والعبر التي يجب على كل مسلم ومسلمة استرجاعها في كل احتفال برأس السنة الهجرية حتى تتحقق الفوائد المرجوة من هذا الاحتفال.

من دروس الهجرة:

أولاً: درس في التأكيد على حتمية الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل:

الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل من ضرورات الحياة الدنيا، والحق لا ينتصر لمجرد كونه حقا بل يحتاج إلى المؤمنين به الذين يبذلون الغالي والرخيص من أجل الانتصار له، وإعلان كلمته في الأرض، وللتدليل على ذلك نستعرض واقع مكة المكرمة قبل الهجرة مباشرة. فقد رأى كفار ومشركو قريش أن انتشار الإسلام في يثرب يشكل خطرا كبيرا عليهم، فدعوا إلى اجتماع في دار الندوة حضره صناديدهم ليتدارسوا الأمر، وبعد تداول الأمر تكلم في هذا الاجتماع أبو البحتري بن هشام، فاقترح حبس رسول الله ﷺ فرفض اقتراحه، واقترح الأسود بن عمرو نفيه إلى خارج مكة فردوا عليه اقتراحه قائلين: “ليس هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه، وقوة منطقه، فإذا حل عند قوم لا يلبث أن يستولى على نفوسهم، ويحل في سويداء قلوبهم؟” بعد ذلك تحدث أبو جهل عمرو بن هشام زعيم بني مخزوم من قريش قائلا: “أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى، شابا، جليدا، نسيبا، وسيطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ويذهبون حيث محمد، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل كلها، فلا يستطيع بنو عبد مناف قتال الجميع، فرضوا منا بالعقل أي: الدية، فعقلناه لهم”، فاستحسن الحضور الرأي، وقرروا إخراجه إلى حيز التنفيذ. وعلى الفور أخبر الله تعالى خاتم أنبيائه ورسله ﷺ بتفاصيل المؤامرة التي أنزل بشأنها قرآنا يتلى إلى يوم الدين، يقول فيه ربنا تبارك وتعالى: *وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ* (الأنفال: 30).

ويقول: *الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُون* (التوبة: 20).

ثانيا: درس في حسن التخطيط لكل أمر مع التوكل على الله:

أمر الله سبحانه وتعالى خاتم أنبيائه ورسله ﷺ بالهجرة من مكة الى المدينة، فبدأ بالإعداد لذلك آخذا بكل ما لديه من الأسباب، فكتم أمره حتى عن صاحبه الذي أخبره الله تعالى أنه سيرافقه في هجرته. فطلب منه أن يجهز لرحلة الهجرة، فابتاع راحلتين احتبسهما في داره، يهيئهما للرحلة الطويلة، كذلك عهد رسول الله ﷺ إلى ابن عمه علي بن أبي طالب أن يبيت في فراشه ليلة الهجرة، حتى يرد ما كان عند رسول الله من أمانات لكفار ومشركي قريش، وأن يتسجى ببرده صرفاً لأفئدة المتربصين.

    وتروي أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها في حديثها عن الهجرة قائلة: كان رسول الله ﷺ لا يخطئ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان ذلك اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة والخروج من مكة من بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ هذه الساعة إلا لأمر حدث. فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول ﷺ وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء، فقال رسول الله: أخرج عني من عندك فقال: إنما هما بنتاي بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ: أن الله قد أذن لي بالخروج والهجرة، فقال أبو بكر: “الصحبة يا رسول الله، قال ﷺ: الصحبة”، فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من شدة الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، وأعد أبو بكر دليلا ليصحبهما في الرحلة إلى المدينة، وأمر ابنه عبد الله أن يجمع لهما أخبار أهل مكة، وأمر خادمه عامر بن فهيرة أن يرعى الغنم في جنوب مكة ليعفو على آثارهما إذا تحركا، ودرب ابنته أسماء رضي الله عنها على حمل الطعام والشراب وعلى تسلق الجبال لإيصاله إليهما.

ثالثا: درس في الإيمان برعاية الله تعالى لنبيه:

     في العتمة من ليلة الهجرة النبوية الشريفة، طوق بيت النبي أحد عشر شابا من كفار قريش المتوشحين بالسيوف يرصدون كل حركة فيه. وعند منتصف الليل قام ﷺ ليخلفه علي بن أبي طالب في فراشه، وخرج من بينهم دون أن يشعروا به لأن الله تعالى كان قد أغشى أبصارهم. ثم تحرك للقاء أبي بكر لينطلقا في رحلة الهجرة، عامدين إلى غار ثور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى