أخبار وطنيةمقالات رأي

عدنان منصر يرثي فقيد الوطن أحمد بن صالح

كتب عدنان منصر

“سيد أحمد….

رحم الله سيد أحمد بن صالح، وجزاه خيرا عن إخلاصه لأفكاره ولوطنه. أحمد بن صالح كان من القلائل الذين كانوا يحملون مشروعا لهذه البلاد، ومن القلة القليلة التي لم تغير ولم تبدل. مسيرة الرجل كاملة هي محاكمة للجهل وللفساد وللإستبداد: سجنه، محاكمته، فراره عبر الحدود، المنفى، التنكر والنكران، الخيانات، العزلة إلخ

استمعت اليوم لأحد أعضاء المكتب التنفيذي للإتحاد، فيما يشبه المرثية، يذكرنا أن الفقيد كان أمينا عاما للإتحاد. نادرة جدا هي المناسبات التي ذكرت فيها الصفة النقابية لأحمد بن صالح، لأن تجربة ابن صالح في الإتحاد كانت تقريبا هي تجربته مع الحزب الدستوري.

ابن صالح كان من طينة النقابيين الحشاديين الذين رفضوا إخضاع الإتحاد للحزب آنذاك فانقلب عليه رفاقه ونصبوا مكانه من كان أكثر ولاء لبورقيبة. طيلة أكثر من نصف قرن، كانت صورة ابن صالح مُقصاة تماما من صف الصور الرسمية. كان مرور ابن صالح بالأمانة العامة ذكرى سيئة لدى “المنظومة النقابية”، خاصة بعد أن غضب عليه الزعيم.

جزء هام من تاريخ الحزب، وتحوله إلى استبداد، قد تم بمساعدة متحمسة من نقابيين من الرعيل الأول أيضا. كان ابن صالح هو ممثل الخط الحشادي، الذي سيقصى فعليا ليحل محله ما يسمى بالتيار العاشوري، الذي يحكم الآن ومنذ عقود، الإتحاد.

تجربة أحمد بن صالح السياسية تجربة فريدة. أكاد أقول أن الرجل الذي انتقد ميل بورقيبة للإستبداد بصفة مبكرة جدا (منذ 1955) كان ضمن حفنة قليلة من الرموز الوطنية التي استطاعت، بالتجربة، ملاحظة كيف يتحول الحلم الوطني بالتدريج إلى كابوس وطني. طبع ابن صالح عشرية الستينات بطابع خاص: دولة تخدم الإنسان وتنهض به وتحقق استقلاله الإقتصادي والثقافي. كنا نستطيع فعلا ! ولكنه الإستبداد، وأشياء أخرى.

بعد ابن صالح توقفت البلاد عن الحلم، وأصبحت مجرد شركة كبيرة، مع موظفين ببطون كبيرة، وإرادة وأحلام صغيرة. ابن صالح كان الشخص الذي يجب وضعه في قيادة البلاد منذ عشر سنوات لأنه لم يفقد أبدا رغم سنه، موهبته في الحلم، وإيمانه بالعدل، ووفاءه لشيء إسمه الوطن التونسي ! جنازة وطنية لهذا الرجل العظيم ربما تصلح بعض الذاكرة، وتجعل الأجيال الشابة تفهم، ولو بعد حين، أن هذه البلاد قادرة على العرفان، وعلى تنظيم جنائز وطنية للحالمين المخلصين أيضا، وعلى الإعتراف لهم بالجميل.

رحمك الله سيد أحمد… وجزاك عن كل شيء، فعلته أو حلمت به، أو تألمت منه، خيرا كثيرا !”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق