إقتصاد وأعمال

هل تحتاج تونس اليوم الى “نيوليبرالية حكيم بن حمودة” لانقاذ اقتصادها؟

     عن دار مسكلياني للناشر شوقي العنيزي صدر مؤخرا كتاب جديد بعنوان “ما بعد النيوليبرالية العولمة، الجائحة و الازمات المالية” وهو من تأليف الدكتور حكيم بن حمودة.

    حكيم بن حمودة وهو وزير سابق للاقتصاد والمالية متحصّل على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة قرونوبل سنة 1990، وشهادة ادارة البحوث العلمية في الاقتصاد من نفس الجامعة سنة 1999، وهو غزير الانتاج فقد أصدر اكثر من 30 مؤلفا في الاقتصاد كما نشر اكثر من 60 بحثا اكاديميا في كبريات المجلات المختصة في الاقتصاد وهو متحصّل على الجائزة العالميّة Allan Powel في البحوث الإقتصاديّة في الإقتصاد الدّولي (أوّل عربي وإفريقي متحصّل على هذه الجائزة).

كما شغل الدكتور حكيم بن حمودة عدة مناصب مهمة منها المستشار الخاص منذ 2011 لرئيس البنك الافريقي للتنمية وكبير الاقتصاديين في اللجنة الاقتصادية الأمم المتحدة وافريقيا وهو حاليا مرشّح لحقيبة وزارية في الحكومة الجديدة التي سيشكّلها قريبا رئيس الجمهورية الاستاذ قيس سعيد حيث من المرشّح ان يشغل وزيرا للمالية في ظلّ ظرف اقتصادي صعب يجعلنا نتساءل هل فعلا الحكومة الان في حاجة الى نيوليبرالية جديدة وما هي أهم مرتكزاتها؟

 للاجابة على هذا السؤال من البديهي الوقوف على النقاط المضيئة في هذا الكتاب كاصدار جديد سعى من خلاله مؤلّفه الى رصد السمات الكبرى للثورة الفكريّة التي تمس السياسات الاقتصادية وتقطع مع السياسات النيوليبراليّة التي هيمنت على المجال الاقتصادي لعقود طويلة كما دعا من خلاله وكما قال الى “ضرورة الخروج من السياسات المحافظة والتقليدية التي وضعناها في السابق والدخول في مرحلة جديدة من التجديد الفكريّ في المجال الاقتصادي ممارسةً وتنظيرًا من اجل اعادة بناء عقد اجتماعي ديمقراطي عادل و مستديم” وهذا المؤلّف إذ طرح فيه الدكتور حكيم بن حمودة باسلوبه المبسط ونظرته الاستشرافية جملة من القضايا الاقتصادية في فترة ما بعد النيوليبرالية فانه تعرّض الى التحولات الاقتصادية التي طرأت على العالم خاصة بعد جائحة كورونا واستتباعاتها على الاقتصادات الهشة.

 في هذا الكتاب تعرّض مؤلّفه الى الشروط السياسية و المالية للخروج من الازمة وتفادي الانهيار المالي و حماية الدولة وذلك من خلال مجموعة من التوصيات من شأنها ان تنقذ بلادنا من تهديدات قد تنتج عن انهيار المالية العمومية و الابتعاد بالتالي عن السيناريو اللبناني.

 وقد استأنس الكاتب في هذا الاطار بما جاء في تفاصيل كتاب أصدره المناضل فلاديمير بينين سنة 1902 للحديث عن الوضع السياسي في تلك السنوات في روسيا تحت حكم نيكولاي الثاني وما جاء في هذا الكتاب من تفاصيل ذات علاقة بالحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية الممكنة خاصة في فترات الأزمات وعندما تكون الرياح عاتية والأمواج صاخبة ليرى المؤلّف ان الحل من اجل تفادي انهيار المالية العمومية في ظل تأخر الدعم المالي العالمي يكون من خلال مجموعة من الخطوات التي يجب علينا القيام بها من اجل حماية الدولة ومصداقيتها في هذه الظروف ومن اولويات هذه الحلول التي يجب القيام بها من أجل حماية المالية العمومية من الانهيار والابتعاد عن شبح السيناريو اللبناني تامين المالية العمومية وحمايتها من الانهيار وبما يعيد بناء الثقة في الدولة التونسية من طرف مواطنيها ومن شركائها على المستوى العالمي ورغم صعوبة هذه المهمة في رأي صاحب الكتاب وتعقّدها نظرا للالتزامات المالية الضخمة للدولة والاحتمال الكبير لتأخر دعم المؤسسات المالية العالمية وارتباطها بوصولنا إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي فان الحل يكمن في اقرار برمجة دقيقة لجملة التدفقات المالية للدولة للحلول التي يجب إيجادها لتغطية حاجيات الدولة وتحديد مصاريفها كما يجب على مؤسسات الدولة دراسة إمكانيات تعبئة هذه المصاريف داخليا من خلال اللجوء إلى السوق الداخلية والبنوك الداخلية ومؤسسات التمويل والتمويل المباشر من قبل البنك المركزي للميزانية وفي حدود معينة لتفادي انفلات التضخم كما يمكن اللجوء إلى أصدقائنا وشركائنا على المستوى العالمي لكسب دعمهم ولو مؤقتا لمواجهة الالتزامات القادمة.

   كما يدعو المؤلّف الى الانطلاق في الحوار الوطني في أقرب الآجال معتبرا ان أزمة المالية العمومية على خطورتها وحدتها ليست إلا انعكاسات لأزمات أعمق وأشمل تهز أركان المجتمع اثر انفلات حبات العقد الاجتماعي وهذه الأزمات في رأيه تهم الجانب السياسي والصعوبات التي يواجهها النظام السياسي الجديد والذي أتى مع دستور 2014 لتركيز حياة ديمقراطية عادية قادرة على تحقيق التوافقات الضرورية من أجل إدارة الشأن العام ولا تقف انعكاسات هذا العجز الديمقراطي على الشأن السياسي بل تمس كذلك الجوانب الاقتصادية حيث أصبحت قدرة مختلف الحكومات المتعاقبة على صياغة رؤيا اقتصادية جامعة ونمط تنمية جديد مشلولة ويرى المؤلّف ان ازمتنا اليوم ليست اقتصادية بقدر ما هي ازمة هيكلية لنمط التنمية منذ بداية الألفية ،وأزمة التوازنات المالية الكبرى للدولة والتي انطلقت مع الثورة والأزمة الثالثة تعود إلى الانعكاسات الاقتصادية لجائحة الكورونا معتبرا ان هذه الأزمات تتطلب بناء تصور جديد للتنمية والنمو في بلادنا ويكون ذلك من خلال سن قانون مالية تعديلي تلتقي حوله كل القوى السياسية والاجتماعية من اجل إيقاف الانخرام الكبير للمالية العمومية والانطلاق في عملية البناء وبما يضفي الشروط السياسية لتطبيق أهم القرارات الحكومية في مجال إصلاح المالية العمومية وعديد المجالات الأخرى الى جانب دعوته الى ضبط برنامج دفع اقتصادي واضح المعالم وجريء وبما يهدف الى تنشيط الاستثمار ودفع النمو الى جانب الدعوة الى التسريع في الإصلاحات الاقتصادية بعيدا عن الرؤى الإيديولوجية للمؤسسات الدولية في قيادة الإصلاحات ومن خلال صياغة نظرة واقعية وبراغماتية لهذه الإصلاحات في جميع المجالات وذلك بالاستئناس بالخبراء ومؤسسات التفكير والاستشراف لإيجاد الحلول والتصورات الجديدة والواقعية في هذا المجال الى جانب دعوته الى مواصلة المفاوضات مع المؤسسات الدولية وخاصة صندوق النقد والتي ستمهد الى المفاوضات مع المؤسسات المالية الأخرى والبلدان الداعمة لتونس.

  وهذا يتطلب في رأي المؤلّف دعما كبيرا لقدرتنا التفاوضية على المستوى التقني والديبلوماسي والسياسي اذ يعتبر وجود جبهة سياسية واجتماعية صلبة وحشد ديبلوماسي مع مقترحات تقنية جدية سيدعم موقف الحكومة في هذه المفاوضات وفي النقطة السابعة من مقترحات المؤلّف الدعوة الى نظرة جديدة لمسألة المديونية ليعتبر في هذا النطاق ان احترام الالتزامات تجاه دائنينا مسألة مركزية لا يمكن التراجع عنها ورغم ان بلادنا دخلت في مرحلة عدم قدرتنا على احترام الدين فانه من الضروري حسب رأيه درس إمكانيات التخفيف في عبء الدين بطريقة جدية لكن في تعاون وتناغم مع المؤسسات الدولية ومع البلدان المانحة ليخلص المؤلّف الى ان الوضع المالي والأزمة الاقتصادية في تونس اليوم لم نعرف لها مثيلا لتشكل تهديدا مباشرا للدولة وتنذرها بانهيار المالية العمومية وهذا الوضع في رأيه يتطلّب إلى جانب الحلول التقنية موقفا سياسيا من قبل الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية لحماية الدولة ومؤسساتها وفتح آفاق جديدة لتجربتنا التاريخية.

بعد هذا العرض لفحوى المؤلّف يبقى السؤال مطروحا هل يكون فحوى الكتاب بمثابة خارطة الطريق المالية لحلّ الازمة الاقتصادية الوطنية اليوم ؟

وهل يكون مرجعا للدكتور حكيم بن حمودة في حال تعيينه وزيرا للمالية في التحوير الوزاري الذي يطبخ الان في صمت وعلى نار غير هادئة ولكامل فريق وزارته المنتظر؟

يبقى السؤال مطروحا الآن وهنا والى حين …

منصف كريمي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى