ثقافة وفنون

رواية صدرت سنة 1916، بالدّارجة التونسيّة وبالحروف العبريّة، وتعيد دار الكتب الوطنية طبعها بالحروف العربيّة

رجاء بن سلامة / المديرة العامّة لدار الكتب الوطنيّة

       إنّها رواية ذات طابع ميلودراميّ صدرت سنة 1916 بتونس، وكتبت بالدّارجة التّونسيّة المنمّقة بالأشعار والأسجاع، ورسمت بالحروف العبريّة. فيها الكثير من العشق والخيبة، ومن الوفاء والغدر، وفيها مشاعر وأفكار وأحلام تعكس إلى حدّ ما ذهنيّة اليهود التّونسيّين المتعلّمين في مطلع القرن العشرين، ومنهم يعقوب شملة، مؤلّفها الشّهير بصناعة الخزف.

تنقسم الرّواية إلى 25 فصلا تتوزّع على قسمين ومنطقتين جغرافيّتين : عشرة فصول تقع أحداثها في “دزاير”، أي الجزائر، وخمسة عشر في “الأميريك”، أي الولايات المتّحدة الأمريكيّة. تسمّى “دزاير” في عدّة مواطن من الرّواية “غرب إفريقيّة”، وتمثّل “تونس” ملاذا مؤقتا لشخصيّات محكوم عليها بالهجرة. وتعكس الرّواية ازدواجا في علاقة اليهود بتونس. فرودولف مهاجر أصبح من أثرياء أمريكا بفضل إتقانه صناعة الحلوى على الطريقة التّونسيّة. وقد جاء على لسانه : ” قبل لا نعرفك، لما بلغت لعمر عشرين سنه، اخدوني للقشله، وهادا فرض مفروض علييا، فلم يمضو بعض شهور وانا في العلامه، ظهر لرووس الاداره الحربييه ليرسلو قسمتنا لافريقيه، فرسلوني مع قسمتي لغرب افريقيه لبلاد تونس، هادي البلاد الدي كونت نظنها وحشييه، وجدتها كجنان النعيم، ووجدت اهالها من احسن الناس، في الظرافه والسياسه والاكرام.”

ولكن جاء على لسان رودولف نفسه : ” انا يا صاحبي، لما دخلت لخدمة العسكر، وروس الاداره رسلوني للوطن التونسي، اين تعللمت صنعه كانت لي سبب لنوصل لهادي الدرجه بهاد الوطن، لما خلطت علا اخواني يهود هاد الوطن خببروني بان، اليهود الدي بالوطن التونسي كانو في اعظم العداب والحقر والدل، كان راسهم محني لضرب الستاكه، كان ممنوع عليهم كسب العقار، ممنوعه عليهم الفلاحه وعددة صنايع، كانو مجموعين في الحاره وممنوع عليهم ليسكنو من خارجها، حتا وصل انسان يهودي تصددر حكمهو بالقتل ومزقوهو طوابق، لانهم تهموهو بشتمان الدين الإسلامي…”

وفي الرّواية تمجيد للثّورة الفرنسيّة ولفرنسا وأمريكا، وتلعب فيها حادثة درافوس التي هزّت فرنسا بين سنتي 1887 و 1906 دورا محوريّا، لأنّ إحدى شخصيّاتها العاشقة بأمريكا هو ابن عمّ ألفراد دريفوس، وتذكر الرّواية تبرئته وإعادة الاعتبار لأسرته. بل إنّ عبارة العنوان “الصّدق والأمان” ترد في سياق الحديث عن تبرئة المظلوم ألفراد : “… ربنا نصر عايلتكم، وظهر حقكم كان انغبر مددة اعوام، ومعا نصرتكم انتصر قومنا، وظهر امانهو وصدقهو.”

نعيد اليوم نشر هذه الرّواية بعد مرور أكثر من قرن على طبعتها الأولى، لأنّها مثال على الرّصيد اليهوديّ التّونسية الموجود بدار الكتب الوطنيّ، ولأنّها تمثّل قطعة من وجدان فئة من التّونسيّين قدّر لهم مصير مختلف عن مصير الأغلبيّة، بحكم ملابسات السّياسة، وبحكم الجمع الخطير والمخرّب بين السّياسة والدّين.

نترك القرّاء والقارئات يكتشفون هذه الرّواية ويدخلون عالما الغريب الأليف، بعد أن خاضت شادية الطرودي مغامرة نوع خاصّ من التّحقيق والعبور من العبريّة إلى العربيّة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى