مقالات رأي

العلاقات الدولية متغيرة ليست ثابتة وتبقى رهينة للمصالح والأزمات

    لطالما تشدّق الكثيرون بأن العالم أصبح قرية صغيرة إلاّ أن فيروس كورونا جاء ليكذّب هذا المسمّى تكذيبا قطعيّا ويؤكد أن العالم هو جغرافيا متباعدة الأطراف رغم يسر التواصل الإعلامي وسهولة تبادل الأخبار،و أن الدول و الحكومات عليها أن تصنع مصير شعوبها بأنفسها،لا أن تتركها للأقدار،أو أن تعول على الغير.

إن كوفيد أعطى درسا للجميع بعد أن انشغلت كلّ الرئاسات بدولها بل بشعوبها دون غيرها،فغلقت الحدود،و وضع العالقون،و الذين تعلقت بهم السبل خارج الرعاية،بل أصبحوا غير مرحب بهم في الكثير من البلدان و دعوا إلى المغادرة في أقرب وقت.

و هذا حال التونسيين الذين بقوا داخل التراب الليبي أو في بعض البلدان الخليجيّة،لقد أصبحوا يستعطفون السلطات التونسية لترحيلهم إلى أرض الوطن بعد المعاناة التي تعرضوا إليها و هم خارج الديار.ناهيك عن إيطاليا التي بقيت لأسابيع متتالية تصارع الجائحة بمفردها الذي حدا بأحد مسئوليها إلى إنزال علم الإتحاد الأوروبي و تعويضه بالعلم الصيني و ذلك عند وصول المساعدات و الطواقم الطبية الصينيّة إلى إيطاليا لإغاثتها و مساعدتها. أمّا الولايات المتحدة الأمريكية فقد أغلقت حدودها في وجوه كلّ الأجانب واكتفت بترحيل أبنائها،و نأت بنفسها عمّا يتعرّض له العالم من أحداث،بل وصل بها الأمر إلى قطع مساعدتها عن منظمة الصحّة العالميّة بعد أن اتهمتها بالتواطؤ مع الصّين. لقد ظنت انها في منأى عن هذه الجائحة، و الأمثلة عديدة.      

لكن ثبت أن التعويل على المقدّرات الوطنية هو القاعدة و الأساس و التعويل على المساعدات الخارجيّة يبقى ثانويا. و عليه فكل الدول و خاصة العربية منها مدعوة إلى  التعويل على قدراتها الاقتصادية،و إطاراتها العلميّة،و إمكاناتها الّلوجستية تحسّبا لأي طوارئ أو مستجدات.

     فالاقتصادات القوية،و تحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد الغذائية،و تطوير المخابر العلميّة،و رصد ميزانيات ذات قيمة لفائدة البحث العلمي،و تطوير الكفاءات العلميّة و تشجيعها على البقاء داخل الوطن و عدم طرق أبواب الهجرة هي أولويات قصوى من شأنها أن تكون خطّ الدفاع الأول لكل وطن عند الأزمات و الفواجع، اضف إلى ذلك فالأمن القومي لايتحقق بدون أمن غذائي و صحّي.

لا شك أن مأساة كورونا ستمضي مع الزمان إلى أجل مكتوب، هو متناه إليه لا محالة. والسؤال المطروح بعد انتهاء ساعة الفواجع و الأحزان، ما هو المسار في المستقبل المنظور؟ و هل تعود العلاقات الدولية إلى سالف عهدها؟ أم ستتشكل أقطاب أخرى على ضوء المشاهد التي خلفتها جائحة كورونا؟ و هل سيصبح للدول التي هزمت كوفيد على ضعف إمكانياتها في المجال الصحي شأن في قادم الأيام؟

يقول جورج برنارد شو:”أفضل المصلحين في العالم؛هم الذين يبدؤون بإصلاح أنفسهم”

بقلم فتحي الجميعي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق